عبد الملك الخركوشي النيسابوري
174
مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحقيق كتاب شرف المصطفى ( ص )
ولم نجد اللّه تعالى فعل ذلك بأحد من الأنبياء قبله ، بل وجدناه خلّى بين الأنبياء وبين اختيارهم لأنفسهم فيما يعزمون عليه ويتخيرون فيه ، فأخبر عن سليمان عليه السّلام في شأن غيبة الهدهد عنه في وقت الحاجة منه إليه ، وعزمه على ما عزم عليه ، فقال : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) الآية ، ثم لم نجد اللّه اختار له ترك العقوبة ولا فرض عليه إيثار العفو بل وجدناه ساكتا عن الاختيار له في ذلك ، وكذلك وجدناه فعل بنوح عليه السّلام في مقابلته فعل الكفرة بمثله ، ولم نجده اختار له ترك ذلك فقال : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ الآية ، ولم نجده اختار له الكف عن مقابلتهم والميل إلى الأحسن من العفو والصفح فيهم ، وكذلك وجدناه فعل بيوسف في قوله لإخوته : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) الآية ، ولم نجده اختار له ترك ذلك وأمره بإيفاء كيلهم إذ كان ذلك أحسن به وأجمل وأرفق بهم وأولى ، بل تركهم كلهم ، وإيثار ما يعزمون عليه من أفعالهم .